ذات يوم من ايام شهر نوفمبر ( 14) بالتحديد من عام 1889 في محافظة المنية بصعيد مصر ، أبصر النور أحد أعظم الأدباء في التاريخ الحديث، ولد طه حسين في عائلة كانت كثيرةالعدد، فهو الإبن السابع بين ثلاثة عشر طفلا لعائلة كانت متوسطة الحال، وبسبب الظروف المعيشية أصيب بعدوى مرضية في عينيه، تفاقمت بسبب الإهمال وعدم تقديم العلاج في وقت مبكر ما أدى لفقدانه البصر في سن الثالثة، وبالرغم من ذلك أصر والده على إلتحاقه بالكتّاب ليحفظ كتاب الله وكان له ذلك، وأثرى رصيده الفكري بمجموعة من الأشعار والقصص التي حفظها عن طريق السماع.
واستمرت حياته التعليمية بعد ذلك حين انتقل للأزهر الشريف عام 1902، بعد حفظه للقرأن الكريم وإطلاعه على معظم أصول المفردات والألفاظ في اللغة العربية من خلال تعلمه في الكتّاب ، اشترك في دروس المبتدئين في الازهر الشريف لمدة ثلاث سنوات وحضر لأخر درسين ألقاهما الإمام محمد عبده قبل وفاته عام 1905، ثم تابع تدرجه ليشترك في دروس المتوسطين في الفقه والنحو لفترة امتدت من 1905/1907
وبعد ذلك اصبح يحضر الدروس مع الطلبة المتقدمين
لم يكتفي بما تعلمه في الازهر الشريف بل زاد شغفه بالعلم والأدب فعزم على إكمال المشوار، والتحق بالجامعة الأهلية عام 1908، وهي التي كانت قد أنشأت حديثا ، فكان من أوائل المنتسبين لها وحصل منها على شهادة الدكتوراة عام 1914 عن رسالته (تجديد ذكرى أبي العلاء)، وكتقدير من الجامعة لجهوده أرسلته في بعثة دراسية الى جامعةمونبيليه بفرنسا حيث حصل على شهادة الليسانس في الأداب من جامعة السوربون عام 1917 ، فكانت نقلة نوعية في حياة الأديب وطريقة تفكيره بعد ان أتقن اللغة الاتينية واطلع على كثير من فكر الادباء الغربيين وكتاباتهم
وهذا ما زرع فيه حب التجديد، وفكرة التغيير ، وفي عام 1919 حصل على ديبلوم الدراسات العليا في التاريخ.
الحياة العملية :
بعد عودته لمصر بدأ رحلته العملية الطويلة، فعين أستاذا للتاريخ اليوناني والروماني القديم في الجامعةالأهلية في الفترة مابين 1919/1925، وبعد تحويل الجامعة الأهلية الى جامعة حكومية عين أستاذا لتاريخ الأدب العربي في كلية الأداب من 1928/1925، وفي عام 1930 عين عميدا لكلية الأداب ليصبح أول مصري يتقلد ذلك المنصب، لكنه قدم إستقالته بعد عامين ليعود من جديد مدرسا عام 1934 ويستمر في التدريس لمدة عامين قبل أن يعين عميدا لكلية الأداب من جديد لفترة امتدت بين
1936/1939.
لم تقتصر حياة طه حسين المهنية على التعليم فقط فقد شغل أيضا منصب مراقب للثقافة في وزارة المعارف بين عامي 1939/1942، وكان له الدور الكبير في تأسيس جامعة الإسكندرية عام 1943 فعين أول مدير لها حتى عام 1944، وفي عام 1950 إرتقى ليبلغ منصب وزير المعارف لمدة عامين وكانت من أهم قراراته في الوزارة إقرار مجانية التعليم الذي سمح للطبقات الفقيرة من مزاولةالتعىيم، وأنشأ جامعة عين شمس وعين رئيسا لها فكان أخر منصب يشغله لأنه تفرغ بعد ذلك للكتابة .
عمله في الصحافة:
بحكم ثقافته واطلاعه كان طه حسين شغوفا بالكتابة والتأليف، وأول هذا الشغف تجلى في اتجاهه للكتابة في الصحافة، و اشتغل بداية في صحيفة الجريدة عام 1908 حتى العام 1914، كما كتب ونشر في عديد الصحف منها صحيفة اللواء، ومصر، والفتاة، والشعب، وصحيفةالإثنين، والإستقلال، وفي عام 1925 عمل في صحيفة الإتحاد ثم انتقل بين عامي 1926/1932 للاشتغال بصحيفة السياسة الأسبوعية، كما نشر بعض كتاباته في صحيفة كوكب الشرق ، وبعدها في العام 1934 تولى الإشراف على صحيفة الوادي،و كتب في عدّة صحف أخرى، مثل: صحيفة الثقافة، والرسالة، ومجلتي، والمصور، وصحيفة الأهرام ، وأخبار اليوم، وغيرها، ثمّ أسّس مجلة الكاتب المصري وعمل رئيساً لتحريرها في الفترة الواقعة بين عاميّ 1945-1948 أمّا في الفترة الواقعة بين عاميّ 1959-196 فقد عمل رئيساً لتحرير صحيفة الجمهورية.
نشاطات طه حسين الثقافية والأدبية:
مارس طه حسين في حياته العديد من النشاطات الأدبية والثقافية، ففي عام 1954 شغل مركز رئيس اللّجنة الثقافية في الجامعة العربية، وفي الفترة الممتدّة بين عاميّ 1953-1973 شغل منصب رئيس نادي القصّة، كما كان عضواً في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب منذ تأسيسه في عام 1956 وحتى عام 1973 وفي عام 1940 كان عضواً في مجمع اللّغة العربية في القاهرة، ثمّ شغل منصب الرئيس فيه بين عاميّ 1963-1973 وبعد ذلك أصبح عضواً في مجمع اللّغة العربية في دمشق، ثمّ مديراً لدار الكتب المصرية.
زواج طه حسين:
تعرّف طه حسين أثناء دراسته في مونبلييه على السيدة الفرنسية السويسرية سوزان بريسو، وتزوّج منها في عام 1917 وقد كان لها أثر كبير في حياته، فكانت بالنسبة له الزوجة والصديقة التي وقفت بجانبه في مسيرته العلمية، وقدّمت له الدعم الدائم، فقد كانت تقرأ له الكثير من الكتب، وتحضر له الكتب المكتوبة بطريقة بريل حتى يتمكّن من القراءة بنفسه، كما ساعدته على التعمّق أكثر في الثقافة الفرنسية واللاتينية، ممّا جعله يلمّ إلماماً كبيراً بالثقافة الغربية، وقد رُزق طه حسين من سوزان باثنين من الأبناء، هما: أمينة التي تزوّجت من الدكتور محمد حسن الزيات وزير خارجية مصر الأسبق، ومؤنس الذي حصل على شهادة الدكتوراة وعمل في من منظمة اليونسكو في باريس.
وفاته:
توفي طه حسين في الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول عام 1973، وبوفاته خسر الأدب العربي أحد أهمّ أعمدته، إذ قال عنه عباس محمود العقّاد: “إنّه رجلٌ جريء العقل مفطور على المناجزة والتحدّي، فاستطاع بذلك نقل الحراك الثقافي بين القديم والحديث، من دائرته الضيقة التي كان عليها إلى مستوى أوسع وأرحب بكثير”، وقد أثرى طه حسين خلال حياته المكتبة العربية بالعديد من الأعمال والمؤلفات، من أهمّها: في الشعر الجاهلي، وحديث الأربعاء، ومستقبل الثقافة في مصر، ومع أبي العلاء المعري في سجنه، وغيرها.










