في خطوة جديدة تعكس توجّه الدولة الجزائرية نحو ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية وتعزيز آليات الحماية القانونية لفئة ذوي الإعاقة، صدر المرسوم التنفيذي رقم 26-146 المؤرخ في 05 أفريل 2026، والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 33 بتاريخ 06 ماي 2026، والمتعلق بتحديد الأحكام المطبقة على اللجنة الطبية الولائية المتخصصة واللجنة الوطنية للطعن، وذلك تطبيقًا لأحكام القانون رقم 25-01 المؤرخ في 20 فبراير 2025، الخاص بحماية الأشخاص ذوي الإعاقة وترقيتهم.
ويأتي هذا النص التنظيمي ليؤكد أن ملف ذوي الإعاقة لم يعد مجرد جانب اجتماعي محدود، بل أصبح قضية حقوقية وإنسانية وتنموية تتطلب آليات دقيقة وشفافة تضمن تكافؤ الفرص والإنصاف في الاستفادة من الخدمات والمرافقة الاجتماعية.
وترى جريدة معاق أون لاين أن هذا المرسوم يشكل محطة تنظيمية مهمة في مسار إصلاح المنظومة الوطنية الخاصة بالإعاقة، خاصة من خلال وضع إطار قانوني واضح يحدد صلاحيات اللجان الطبية وآليات الطعن، بما يعزز الثقة بين الإدارة والمواطن ويكرس مبدأ الشفافية في دراسة الملفات الطبية والاجتماعية.
ووفقًا لأحكام المرسوم، تتولى اللجنة الطبية الولائية المتخصصة، التي يرأسها مدير النشاط الاجتماعي والتضامن للولاية، مهمة منح صفة الشخص ذي الإعاقة، وهي الصفة التي تسمح بالاستفادة من مختلف الامتيازات والخدمات الاجتماعية التي يقرها القانون، وعلى رأسها بطاقة الشخص ذي الإعاقة.
كما تضطلع اللجنة بدراسة الملفات الطبية والإدارية، وتحديد طبيعة الإعاقة ودرجتها، إضافة إلى تقييم القدرة على العمل، وتحديد الحالات التي تحتاج إلى مرافق، فضلاً عن اقتراح الأجهزة والمساعدات التقنية الضرورية لتحسين الحياة اليومية للأشخاص ذوي الإعاقة.
أما اللجنة الوطنية للطعن، الموضوعة على مستوى وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، فتتكفل بدراسة الطعون المتعلقة بالقرارات الصادرة عن اللجان الطبية الولائية ولجان التربية الخاصة والتوجيه المهني، وهو ما يمنح للمواطن حقًا قانونيًا في مراجعة القرارات وضمانًا إضافيًا لاحترام مبدأ العدالة الإدارية والطبية.
ويتميز هذا التنظيم الجديد باعتماده على لجان تضم أطباء مختصين في مختلف الأمراض، إلى جانب ممثلين عن القطاعات الوزارية والجمعيات الناشطة في مجال الإعاقة، في خطوة تعكس توجّهًا نحو المقاربة التشاركية وإشراك المجتمع المدني في صناعة القرار المرتبط بحقوق ذوي الإعاقة.
كما تعتمد اللجنتان على سلم تقييم الإعاقة المنصوص عليه قانونًا، وهو ما يمنح العملية طابعًا علميًا وموضوعيًا بعيدًا عن الاجتهادات الفردية أو التقديرات غير الدقيقة.
إن أهمية هذا المرسوم لا تكمن فقط في طابعه الإداري والتنظيمي، بل في رسالته الإنسانية العميقة؛ فهو يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الاعتراف الحقيقي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وفق معايير طبية دولية ورؤية اجتماعية عادلة، تحفظ كرامتهم وتضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين.
وفي ظل التحولات الاجتماعية الراهنة، يبقى الرهان الأكبر هو حسن تجسيد هذه النصوص على أرض الواقع، عبر تسهيل الإجراءات الإدارية، وتسريع دراسة الملفات، وضمان المعاملة الكريمة والمنصفة لكل شخص ذي إعاقة، بما يعكس صورة الجزائر الاجتماعية التي تؤمن بأن قوة المجتمعات تُقاس بمدى رعايتها للفئات الأكثر احتياجًا ودعمًا.









