في السنوات الأخيرة، انتشر في الخطاب الإعلامي وبعض المنصات الرسمية استعمال مصطلح “ذوي الهمم” بديلاً عن مصطلح “الأشخاص ذوي الإعاقة”. وقد قُدِّم هذا التغيير على أنه خطوة إنسانية تهدف إلى رفع الحرج عن الكلمة التقليدية وإضفاء طابع إيجابي على الفئة المعنية. غير أن هذا التحول اللغوي، رغم حسن النية الذي قد يقف وراءه، يطرح إشكالاً فلسفياً وإعلامياً حقيقياً: هل نغير الكلمات لنغير الواقع، أم أننا نكتفي بتجميله؟
من منظور حقوقي وقانوني، فإن مصطلح “الأشخاص ذوي الإعاقة” ليس مجرد تسمية عادية، بل هو مصطلح دقيق ومعتمد في الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية، ويشكل أساساً لبناء سياسات عمومية واضحة في مجالات التعليم، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، وإمكانية الوصول إلى المرافق والخدمات. إن هذا المصطلح لا ينتقص من كرامة الإنسان، بل يحدد واقعاً اجتماعياً يتطلب إجراءات ملموسة لضمان المساواة والعدالة.
أما مصطلح “ذوي الهمم”، ورغم نبرته الإيجابية، فإنه يظل تعبيراً عاطفياً أكثر منه مفهوماً حقوقياً. فكل إنسان يمتلك همة وإرادة في حياته، سواء كان يعيش مع إعاقة أم لا. وعندما يتحول الخطاب الإعلامي إلى استبدال المصطلحات الدقيقة بمصطلحات فضفاضة، فإننا نكون أمام نوع من “التلطيف اللغوي” الذي قد يبعد النقاش عن جوهر القضية.
الفلسفة اللغوية تؤكد أن اللغة ليست مجرد زخرفة لفظية، بل هي أداة لفهم الواقع وتحديد المسؤوليات. وعندما نتجنب كلمة “الإعاقة” وكأنها كلمة محرجة، فإننا في الحقيقة نتجنب الاعتراف بالمشكلات البنيوية التي يعاني منها ملايين الأشخاص حول العالم، من صعوبات الولوج إلى الفضاءات العامة، إلى تحديات التعليم والتشغيل.
إن القضية الحقيقية لا تكمن في كلمة “إعاقة”، بل في الحواجز التي يضعها المجتمع أمام الأشخاص ذوي الإعاقة. فالإعاقة ليست في الإنسان بقدر ما هي في البيئة غير المهيأة، وفي السياسات غير الكافية، وفي الوعي المجتمعي الذي لم يصل بعد إلى مستوى الإدماج الكامل.
ومن هذا المنطلق، ترى جريدة معاق أون لاين أن الدفاع عن المصطلح الدقيق “الأشخاص ذوو الإعاقة” ليس دفاعاً عن كلمة، بل دفاع عن إطار حقوقي واضح يضمن الاعتراف بالفئة واحتياجاتها. فالمجتمعات المتقدمة لا تخجل من تسمية الأشياء بأسمائها، بل تبني سياساتها على الحقائق لا على التجميل اللغوي.
إن كرامة الإنسان لا تتحقق بتغيير الكلمات، بل بتغيير الواقع: مدارس دامجة، فضاءات مهيأة، فرص عمل عادلة، وسياسات اجتماعية تحترم الاختلاف الإنساني. أما اللغة، فيجب أن تبقى أداة للوضوح والدقة، لا ستاراً يخفي الحقيقة.
وفي النهاية، قد يبدو مصطلح “ذوي الهمم” جميلاً في ظاهره، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن مصطلح يحمل وزناً قانونياً وحقوقياً واضحاً. فالاعتراف بالإعاقة ليس انتقاصاً من الإنسان، بل اعتراف بحقوقه.










