-طيب المشوار طبه صلاح… غصنك ماح وعبثت بيه الرياح بأمر ربها… كنت طائرا أنيق المظهر رخيم الصداح ، فشاءت الأقدار أن تدق أجراس الرواح ، من أمد كت قوي البنية معتدل القامة تتخطر بين الجلسات الرسمية والحميميات،إلى أن غرست في ثناياك براثن اللعين مخالبها المسمومة ،نخرت عظامك حتى النخاع،فصرت هزيلا مكسور الجناح، دون رأفة ولا شفقة ، حتى صيرتك بلبلا سقيما داهمته العاصفة وقت المغيب.. وأنهى رب العرش الرحلة المخطوطة…من عهد آدم ، طوى الورقة،ولم تكن للشعر دولة…وكأنك لم تكن شاعرا ولم تغرد سلفا، ولم يعرفك القاصي والداني ، بل لم تولد ولم تر مهزلة الحياة ولعيبها وتشيطنها….
-وحين بلغني رحيلك السرمدي، تراءت لي كل كلمة طيبة منك، وكل حاضرة جمعتنا وكل ضحكة وكل حركة، وكل قصيدة عصماء عطرت بها منابر التغريد، وعادت بي الأسطوانة إلى سنين الخراب في وطنيى، حيث كنا في قمة الإمتاع والإبداع، صرنا صديقين أقرتها عاصمة الحماديين، سوق أهراس… تبسة… وأم البواقي حين جمعتنا بعد حين ، المشروحة… بمناكب بيت الشابي وأطلاله والمحبين ، وآخر لقاء بالرواسي، وتصكعنا في كنف الأماسي، وهاهي الأسطونة،تردد كل ما دار بيننا بأحياء أم البواقيى، فاغروق الدمع في المآقي، لم تجرحني رحلتك الأبدية، بقدر ما ايمانا مني برحلتي ولو بعد السنين ، إنما مسألة أجل وكتاب، بقدر ما تؤلمني مكالمتك الآخيرة وأنت تشد الرحال صوب الخضراء طمعا في النجاة ، وتريد مني رفدة ، ومن عادتي لا أقصر في المصائب والمحن ، إنما كنت سقيما طيلة الصيف إلى أن دق الخريف بزوابعه وعجاجه ، شغلني عنك الآساة، وكنت أستشرف بأنك تودع تنادي الأحبة في الفلاة ، لم أتحرك لأسباب ذكرتها سلفا… ويشهد عالم السرائر ما خفي منها وما ظهر
_ولم يكتب اللقاء، وسيكون هناك وماأدراك ما هناك، وفي النعيم …الدار خلالف الدار والناس غير الناس…
– بارحت الفانية مبتسا رغم العواصف والغيوم ووخز الحقنة و السيروم ، ونزلت ضيفا بالدار الباقية، وخير أوقات المرء بقصورها العاجية وخلجانها السندوسية ، فهي الآجمل والأفضل والأحن، بدار الباقية مائة رحمة ، بينما في الفانية رحمة واحدة موزعة بين البشر والحيوانات والطيور، بشرى لك بلقاء أحبتك الذين سبقوك في الرحيل ، فدعنيي أهمس لك من بعيد راجيا أن لا تغضب مني وأيقن هذا،لأنك متسامح متصالح…زاهد مترفع عن كل السفاسف ، يشهد الضمير بعد العلى، كنت عليلا…طريح الفراش.
لم أقل: إلا وداعا أيها الغريد…ترجل من الذرى لتسكن جوارحك المنهكة باطن الأرص ولتعانق عيناك حبات الثرى وليرحمك الرحمان… رب العرش العظيم، بشفاعة أفصح العرب.










