رحلة سيدي مبروك كانت في الصباح الباكر مع سمير وهيام، لان عمي بوزيد لم يكن من النوع الذي يبرز صدره بعنفوان في هذه المواقف، بل يعالجها بروية و حزم و وجد في عون سمير السند الكبير، هذا الرجل الذي لم يكن صديقا بل أخا بكل مدلولات الكلمة و معانيها،اكترى الجميع سيارة خاصة فسارت بهم إلى قسنطينة و الخوف كل الخوف من أن تمتص تلك العينة كل السائل الذي هو بمثابة الحافظ لها في الأنبوب ،أطلت جسور قسنطينة المعلقة في حوالي الثامنة صباحا وعند حي سيدي مبروك انطلقت عملية البحث عن مخبر التحاليل، راح سمير يسأل المارة عن مكان المخبر الذري استدل عليه اخيرا بعون أحدهم بمعية السائق، وهموايشقون سيدي مبروك حسب توصيات السيد لكنهم تاهوا و بدات المخاوف تتسرب فنطقت هيام بتوتر ملحوظ : سمير أسرع فالمحلول أوشك على على النفاذ !!؛
كانت فتيحة في هذا الوقت بين مستيقظة قليلا ونائمة تحت تأثير الآلام وتشنجات في بطنها ، استوقف سمير رجلا اخر واعاد سؤاله ، فأجابه أنه قد تجاوز المكان بعدة شوارع فاسرع الساءق و سمير يؤزه على العجلة خوفا من نفاذ المحلول لكن الله لم يذهب تعبهم هباءا، وكان أن وصلو بعد نصف ساعة من بحث مضن خصوصا أن شوارع قسنطينة معروفة بضيقها وكثرة السيارات المركونة هنا وهناك مما يستدعي مهارة السائق و حذقه في قيادة المركبة .
دخل الجميع للمخبر وسلمت العينة للمختصين، كان نجاحا من سمير و السائق أن وصلوا في وقت قياسي بعدها علم سمير بأن نتائج التحاليل لن تكون إلا بعد أسبوع !!!، فخرج الجميع وقد قطعت الأنفاس واستنفذت الطاقات والجهود، ولتبديد حالة القلق و الاستنفار التي انتابتهم قام سمير بدعوة الفتاتين لوجبة غداء واختار مطعما يبدوا من واجته أنه مميز وعند الدخول تسمرت الأنظار في فخامة المقام وهنا تحضر روح الدعابة عند سمير الذي بدأ في إثارة غضب هيام التي ألفت طباعه سمير : لا تندهشي يا هيام و اخرجي من الخم التي تعيشين فيه كل يوم وأنت حبيسة في ذلك المكتب بنظارات تعود للعصر الحجري ، ضحكت فتيحة حتى بانت نواجدها فأجابته هيام بثقة : هذا المكتب يا سيدي هو لرجل تحسبه كالخلد في كسله …
تعالت الضحكات في جو من الاخوة لكن النادل عند الطلب لم يجد ما يقترحه لفتيحة نظرا لحميتها القاسية فاكتفت بطلب عجة بيض خفيفة، الاكل لم يكن هو المنشود بقدر ما استانست لهذه الجلسة التي كانت نفسيتها بامس الحاجة إليها فكسرت بها قوقعة الكآبة واخرجتها من دهاليز التذمر ولو للحظات معدودة .
مر هذا اليوم كأنه صفحة مشرقة و مر معه الاسبوع فعاد سمير و أحضر نتائج التحاليل المنتظرة فرجعت فتيحة مع أمها خديجة و أحمد زوج سامية الى الطبيبة ..قرات تقرير التحاليل تنحنحت قليلا بينما كانت سرئر الجميع معلقة و أنظارهم تنتظر حركات شفتيها وكأنها تصيح لها بالتعجل، تكلمت الطبيبة عن منحى جديد للمرض وقالت : للأسف هذه التحاليل نتائجها غير كافية لتحديد مدى تطور المرض فقد كشفت إصابة المستقيم rectom و… ، الأم خديجة : وما العمل اذن ؟ الطبيبة: ينبغي إجراء أشعة أخرى تفحص حالة الأمعاء بدقة !!! احمد : وأين نجرى هذه الأشعة ؟ قالها بنبرة عنيفة ثم أضاف : أخشى أن تكون من دون فائدة، نظرت الطبيبة إليه بشيء من الازدراء لكنها خشيت من ردة فعله و قالت : يجرى عند الاستاذ بن رازق اخصائي الأشعة المعروف ، الأم خديجة و متى نقوم به ؟؟ الطبيبة : الاستعجال مطلوب سأكتب لكم رسالة للطبيب ، ولأن احمد غائص في خبايا المجتمع و مدرك تمام الإدراك كيف تسير دواليب الأطباء و طريقة تفكيرهم طلب منها أن تؤكد لهم الموعد : من الأفضل أن تؤكدي الموعد مع الطبيب بنفسك فلا يجب أن تقبع المريضة في أروقة العيادة تنتظر واخبريه أن يسجلها في رأس القائمة ، نظرت الطبيبة لاحمد والغضب يشع من عينيها وقالت : سأفعل لكن يجب أن تكونوا في الموعد المحدد هناك… احمد : لا تقلقي تلك مهمتي ، فأجرت المكالمة مع الطبيب بن رازق الذي أبلغها أنه بانتظارها غدا لاجراء أشعة coloscopie ..
مرة اخرى، رحلة أخرى تسجل في بداية اسطرك يا فتيحة ماذا عساني اقول ؟؟ ماذا يلزمك في هذه الفترة ؟؟ شيء من الصبر ؟ بل قل كثيرا من الصبر ، شيء من القوة النفسية ؟ صعب تملك هذه القوة لفتاة رقيقة بدأت تفتح كتابها للتو .. شيء من الايمان ؟ انها تملكه ربما لأنها من بيت لا يعترض على قضاء الله و قدره، يبقى الإصرار هو مربط الفرس ونعمة الله على فتيحة أنها إنسانة تنحت باصرارها صلد الحجر والدليل ما تقوم به في دراستها فرغم زخم الاحداث وتراكم العقبات تفتح هذه الصنديدة ثغرات باصرارها و تجتاز مراحل الدراسة و امتحاناتها بإرادة فولاذية، والفضل ايضا يعود لصديقاتها اللواتي يزودنها بالمحاضرات ، انها تجد دائما في شوك الحقول وردة تشمها في حلكات الظلام قبسا تستنير به في أحواض القطران قطرات حليب نقية صافية ……يتبع









