مدينة عين البيضاء ولاية أم البواقي 1997
ايام الربيع المشرقة تنثر اشعتها على مدينة عين البيضاء، معقل عروش الحراكتة ، مدينة لها في فصول التاريخ صولات و جولات ،لها في العلم معاقل و دروب، لها مجاهدون و شيوخ، ولشيخهم الاخضر بوكفة رفعة في العلم والدين تلميذ بن باديس الوفي بصمة المدينة و عنوانه ، وهاهي ثانويته تفتح أبوابها صباحا لطلابها، فانسابت جموعهم في الساحة وتعالت أصواتهم وجلبتها وصخب البنات تتخلله الضحكات… وفجأة ساد السكون و عمّ الصمت من هناك ، إنه المراقب العام السيد سعادي ذلك الرجل الممتلىء الجسم، غليظ الشوارب والوجه تقدم بخطواته الديناصورية و صاح بصوته الجهوري العالي : هيا …الكل يدخل الصف و إلا أوسعتكم ضربا !!!
إصطف طلبة الاقسام النهائية في آخر الساحة ، سكتت الأفواه كلها لكن فتيحة مازالت تتمتم مع رفيقاتها كلمات و ضحكات حول بدلة سعادي التي تعود للقرون الوسطى، بلونها البني و قماشها الخشن ..لم تمسك فتيحة كلماتها حتى نغزتها نادية تلك المراقبة التي كانت واقفة وراء الصفوف، نغزتها و الغضب يتطاير من وجهها…، اه ..عذرا نسيت …
فتيحة هي فتاة طويلة القامة متوسطة الجسم بهية القسمات، منطلقة ومفعمة بالحياة ،كثيرة الحركة و الفوضى ، لكن مع هذه السمات الذكاء الحاضرة عندها، فهي ناجحة في كل اطوارها، والآن تدرس بالقسم النهائي علوم دقيقة، أي أنها مقبلة على شهادة البكالوريا ، وإن عدنا لنتفحص بطاقية هذه الفتاة الشقية ونبدا بعائلتها، فالأب بوزيد: موظف متقاعد هو مثال الطيبة والحنان، ربما لأنه عاش يتيم الأب و الأم فشعور الحرمان ترك فيه جذوة طيبة حتى أن غضبه طيب !! فيه سلاسة وليس فيه ثورة .
الام خديجة: صارمة وحادة، نشأت في بيئة صعبة أصبغتها صبغة القساوة، لكن فؤادها مليء بالطيبة و الحنان ، حين يحنو عمي بوزيد على بناته الخمسة وابنه الوحيد تشد هي حبل الصرامة، وهكذا يكون توازن الأخلاق ساريا في هذا البيت البسيط.
فتيحة رابع بنت بعد سامية ، نادية هيام ويتبعها محمد الولد ثم صغرى البنات نوال،
أما سامية فجامعية في أم البواقي تخصص علوم دقيقة،و نادية ماكثة بالبيت ،وبعدها تأتي هيام موظفة في مكتب الموثق، والذكر الوحيد في العائلة محمد هو تلميذ في المتوسطة ونوال في المدرسة الابتدائية.
هي بيئة بسيطة لعائلة بسيطة لا تعيش في تعقيدات سكن في عمارة بطريق خنشلة يحظى أفرادها بحب و احترام الجيران والاهل.
فتيحة هذه الفتاة المرحة المحبوبة …هي سيل جارف من الحنان، لا تبخل بغال وعزيز على اخوانها و صديقاتها، لكنها متواطئة مع محمد ولا يلزمك وقت كثير لتلحظ قربها لاخيها، بينهما كيمياء كبيرة فتجدهما يتمتمان في النظافه و المفيد وهذا خزنة اسرار الآخر وامينته .
وكما نشأت البنات في الأسر الجزائرية، تختص كل بنت بشيء من الأنانية في أكلة شهية، أو فستان جديد، وماكياج معروف عطر غالي …فترى بنات عمي بوزيد يتصارعون للسبق في لبس فستان ..وكل صباح تقوم القيامة بصرخات هيام لأن سامية سبقتها في الخروج وهي ترتدي فستانا استلفته هي من صديقتها ، هيام : أمييييي !!! تعااااااالي ،كانت الأم خديجة في المطبخ تحضر الفطور فهرعت إليها في الغرفة : ماذا هناك يا هيام ؟؟ هيام : كرهت العيش في هذا البيت ! الأم : تكلمي ماذا هناك ؟ هيام : سامية لبست فستان صديقتي زهور الابيض ذو الورود لقد رجوتها مرارا وتكرارا لكي تسلفني إياه لتأتي السيدة سامية وتلبسه دون إذني أيعقل هذا ؟؟
الام خديجة : وماذا أفعل أنا الآن… إلبسي ماعندك وانطلقي لعملك لقد سئمت مشاكلكم ، انصرفت هيام بكتلة من الغضب والتذمر .
وسط كل هذه الصراعات تجد فتيحة تنهض بتثاقل لا تعنيها البتة هذه المجالات، وتجدها تطير في فضاءات أخرى.. و شعارها في الحياة: (قرش اليوم يصرف اليوم) ،بعيدة هي كل البعد عن مشاريع البنات وأحلامهم الوردية، فهذه تجمع المال لتشتري قلادة ذهبية، و أخرى بقي لها قسطان عند الصائغ لتكمل ثمن الخاتم الموضوع عنده في واجهة المحل، و تجدها تمر كل يوم لتمتع الأنظار برؤيته.
فتيحة تحسبها قطعة ضوء تطير من ثنية لأخرى، و هذا الضوء يضيء ظلام الدروب و يروّج للأمل في حياة متكدرة و يائسة، تكسر طاقاتها وعنفوانها أعرافا و بروتوكولات …..في غمرة هذه الحياة العبثية الحلوة ، شعرت فتيحة صباح يوم وهي تدرس بالألم الحادة في بطنها أجبرها على مغادرة مقاعد الدراسة، صاحبت هذه الآلام اسهالا حادا، لكن فتيحة وكل الأسرة اعتبرتها وعكة صحية عابرة، فقصدت طبيبا عاما طلب تحاليلا.. فكان له ذلك لكن تشخصيه كان دلالة على ضعف مستواه، فقد صرح لعمي بوزيد انها مشكلة غلوتين ويجب على فتيحة تناول الذرة و الاقلاع على باقي العجاءن !! عمي بوزيد اعتبر هذا مرضا عابرا خصوصا أنه تزامن مع نجاحها في البكالوريا، فقد غلبت نشوة الفرحة كل احساس،وهي التي نالت هذه الشهادة بكل جدارة واستحقاق…
سبحان الله هذا الزمان لا يظهر وجهه الصريح بجماله و قبحه إنما يلبس قناع الأفراح العبثية التي تطول باجواءك يا فتيحة، فتحسبينها فرحة الأفراح، لكنها زيف وقح لسراب يلهو بخواطرك وتنتشي أنت به.. كيف لا وأنت تقبضين على الحياة بأنامل الفتاة المنطلقة ذات الأحلام الواعدة ، ربما كانت هذه نشوة السطور الاولى لكتابك يا فتيحة تحسبينها أنت جرعة مسلية لكن ماذا يليها ماذا يتبعها ؟؟ هل مازال جرابك ممتلىء الأفراح أم أنها نظبت منه ومن الساحات ؟؟؟؟؟…..يتبع









