من كوتونو، عاصمة بنين الاقتصادية، لا تبدو المشاركة الجزائرية في المنتدى الاجتماعي العالمي 2026 مجرد حضور عابر في تظاهرة دولية، بل تحمل في عمقها رسالة تتجاوز حدود الجغرافيا، مفادها أن المجتمع المدني لا يمكن أن يكون قويًا ما لم تكن أصوات شبابه، وأشخاصه ذوي الإعاقة، ومختلف فئاته حاضرة في صناعة النقاش حول المستقبل.
وتشارك الجزائر في أشغال المنتدى الاجتماعي العالمي 2026، المنعقد بمدينة كوتونو خلال الفترة الممتدة من 06 إلى 09 أوت 2026، تحت شعار «عالم آخر ممكن»، بمشاركة واسعة لوفود وحركات جمعوية ومنظمات مدنية وهيئات شبابية من مختلف دول العالم.
ويضم الوفد الجزائري نحو 150 مشاركًا يمثلون مختلف مكونات المجتمع المدني والتنظيمات والجمعيات الوطنية، إلى جانب الفاعلين في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والثقافة والإعلام والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
المجلس الأعلى للشباب.. حضور جيل يريد أن يصنع المستقبل
وفي هذا الحضور الجزائري، يسجل المجلس الأعلى للشباب مشاركة عدد من أعضائه، بما يعكس أهمية إشراك الشباب الجزائري في الفضاءات الدولية للحوار وتبادل الخبرات.
فالشباب لم يعد مجرد عنوان للمستقبل، بل أصبح شريكًا في صناعة الحاضر، ووجوده في مثل هذه المنتديات يفتح أمامه مساحة للتفاعل مع التجارب الدولية، ومناقشة قضايا التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والسلم والتماسك الاجتماعي وحوكمة الموارد الطبيعية.
كما تمثل المشاركة فرصة لعرض التجربة الجزائرية في مجال تمكين الشباب وإشراكه في مسارات التنمية وصنع القرار، وبناء جسور جديدة للتعاون مع الهيئات والمنظمات الشبابية الدولية.
الاتحاد الوطني لذوي الإعاقة الجزائريين.. صوت الإدماج يعبر الحدود
وفي صورة تعكس اتساع مفهوم المشاركة المدنية، يبرز أيضًا حضور الاتحاد الوطني لذوي الإعاقة الجزائريين ضمن الحضور المرتبط بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، في رسالة مفادها أن حقوق هذه الفئة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الملفات الإدارية أو المناسبات الوطنية، وإنما يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من النقاش الدولي حول العدالة الاجتماعية والتنمية وحقوق الإنسان.
إن مشاركة ممثلي الأشخاص ذوي الإعاقة في فضاء عالمي من هذا الحجم تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن الحديث عن عالم عادل ومستدام إذا ظل ملايين الأشخاص ذوي الإعاقة خارج دوائر التأثير وصناعة القرار؟
فالإدماج الحقيقي لا يبدأ من المنحدر المهيأ أو وسيلة النقل الميسرة فقط، رغم أهميتهما، وإنما يبدأ قبل ذلك من الاعتراف بالإنسان ذي الإعاقة باعتباره مواطنًا كامل الحقوق، قادرًا على التعبير والمبادرة والمساهمة في صياغة الحلول.
ومن هنا، فإن حضور الاتحاد الوطني لذوي الإعاقة الجزائريين في هذا الموعد يحمل قيمة رمزية ومدنية، لأنه يضع قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة داخل فضاء عالمي يناقش العدالة الاجتماعية والتنمية وحقوق الشعوب ومستقبل المجتمعات.
من المطالبة بالحقوق إلى صناعة السياسات
لقد تجاوز مفهوم الإعاقة في الخطاب الحقوقي الحديث فكرة «الرعاية» نحو مفهوم أكثر اتساعًا يقوم على التمكين والمشاركة والاستقلالية.
وهنا تكمن أهمية الحضور المدني للأشخاص ذوي الإعاقة؛ فصوتهم لا ينبغي أن يُسمع فقط عندما يتعلق الأمر بالإعانات أو الخدمات الاجتماعية، بل يجب أن يكون حاضرًا عندما تناقش قضايا الاقتصاد، والتعليم، والعمل، والثقافة، والبيئة، والتحول الرقمي، والتنمية المستدامة وصناعة القرار.
إن المجتمع الذي يضع الأشخاص ذوي الإعاقة في مقدمة النقاش حول المستقبل، هو مجتمع بدأ يفهم أن الاختلاف ليس عبئًا على التنمية، وإنما يمكن أن يكون مصدرًا للابتكار والقوة والتنوع

إفريقيا.. منصة لصياغة أسئلة المستقبل
وتكتسي الدورة الحالية أهمية خاصة باعتبار تنظيمها في القارة الإفريقية، بما يعزز حضور الفاعلين الأفارقة في النقاشات الدولية حول التنمية والعدالة الاجتماعية والبيئية، ويفتح المجال أمام المبادرات المجتمعية التي تسعى إلى بناء مستقبل أكثر استدامة وإنصافًا.
ويتناول المنتدى ضمن محاوره الخمسة عشر عددًا من القضايا الكبرى، من بينها إنهاء الاستعمار وتعزيز سيادة الشعوب، ودعم خيارات التنمية المستقلة، إضافة إلى قضايا العدالة الاجتماعية والبيئية والسلم والتماسك الاجتماعي وحوكمة الموارد الطبيعية.
كما تشهد هذه الدورة مشاركة واسعة لوفود من مختلف أنحاء العالم والقارة الإفريقية، من بينها وفود تمثل المجتمع المدني والحركات الجمعوية والهيئات الشبابية والمدافعين عن حقوق الإنسان.
«عالم آخر ممكن».. لكن لمن؟
ربما يكون السؤال الأكثر عمقًا الذي يطرحه شعار المنتدى ليس: هل يمكن أن يكون هناك عالم آخر؟ بل: لمن سيكون هذا العالم؟
هل سيكون عالمًا يشارك فيه الشباب في صناعة القرار؟
هل سيكون عالمًا يجد فيه الأشخاص ذوو الإعاقة مكانهم الطبيعي في المؤسسات والاقتصاد والسياسة والمجتمع المدني؟
هل سيكون عالمًا تتحول فيه العدالة الاجتماعية من شعار إلى ممارسة، ومن وثيقة إلى واقع؟
إن مشاركة المجلس الأعلى للشباب، إلى جانب الحضور المدني المرتبط بـالاتحاد الوطني لذوي الإعاقة الجزائريين، تجعل من المشاركة الجزائرية في كوتونو أكثر من مجرد تمثيل في منتدى دولي؛ إنها فرصة لطرح صوت جزائري متعدد، يؤمن بأن بناء المستقبل لا يمكن أن يتم بإقصاء أي مكون من مكونات المجتمع.

فـ**«عالم آخر ممكن»** عندما يصبح الشباب شريكًا لا متفرجًا، وعندما يصبح الشخص ذو الإعاقة فاعلًا لا مجرد مستفيد، وعندما يصبح المجتمع المدني قوة اقتراح ومشاركة لا مجرد رقم في قوائم الحضور.
ومن قلب إفريقيا، يبقى السؤال مفتوحًا أمام العالم كله: إذا كنا نريد عالمًا آخر، فهل نملك الشجاعة لنصنعه مع الجميع؟









