في الثاني من أفريل من كل سنة، يحيي العالم اليوم العالمي لأطفال التوحد، وهي مناسبة إنسانية بامتياز، تُسلّط الضوء على أهمية الفهم العميق لاضطراب طيف التوحد، وضرورة إدماج هذه الفئة في مختلف مجالات الحياة، بعيدًا عن التهميش والإقصاء. إنها لحظة تأمل جماعي في واقع يحتاج إلى مراجعة، وإرادة صادقة لتغيير النظرة من الشفقة إلى التمكين.
وفي هذا السياق، تبرز في الجزائر مبادرات نوعية تعكس وعيًا متزايدًا بأهمية المرافقة البيداغوجية والنفسية للأطفال المصابين بالتوحد، من بينها مبادرة الجمعية الوطنية للممرنين المحترفين للسياقة، التي تجاوزت المفهوم التقليدي للتدريب إلى أبعاد إنسانية وتربوية أعمق، تؤسس لفكرة أن كل فضاء يمكن أن يتحول إلى مساحة تعلم واحتواء.
فلم يعد دور الممرن مقتصرًا على تعليم السياقة فحسب، بل أصبح فاعلًا اجتماعيًا يساهم في بناء الفرد منذ الصغر، خاصة لدى الفئات ذات الاحتياجات الخاصة. وقد تجسد هذا التحول ميدانيًا من خلال تجربة تدريب طفل من ذوي التوحد على السياقة باستعمال وسائل تعليمية مبسطة وآمنة، في خطوة رمزية وعملية تهدف إلى تنمية مهاراته الحركية، وتعزيز تركيزه، وبناء ثقته بنفسه، في بيئة قائمة على التفهم لا الحكم.
غير أن الطموح لا يتوقف عند هذا الحد، حيث تعلن الجمعية عن استعدادها للانخراط في برنامج وطني طموح يرمي إلى تكوين مربيات مختصات في مرافقة أطفال التوحد، وذلك عبر فضاءات متعددة تشمل مراكز التكوين المهني، ومعاهد التكوين المتخصصة، وحتى رياض الأطفال. وهو توجه يعكس انتقالًا من المبادرات الفردية إلى بناء منظومة تكوينية متكاملة.
ويهدف هذا المشروع إلى خلق جيل من المربيات المؤهلات، القادرات على التعامل البيداغوجي السليم مع هذه الفئة، وفق أساليب حديثة قائمة على الفهم العميق، والصبر، والتدرج في التعلم، مع إدماج مبادئ السلامة المرورية كجزء من التربية اليومية، بما يعزز استقلالية الطفل وإدراكه لمحيطه.
وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة التنسيق مع مختلف القطاعات المعنية، من تربية وتكوين مهني وصحة ونقل، من أجل تجسيد هذا المشروع وتحويله إلى برنامج وطني مستدام، يضمن استمرارية الأثر وفعالية النتائج.
إن إدماج أطفال التوحد ليس مسؤولية قطاع واحد، بل هو التزام مجتمعي شامل، يبدأ من الأسرة ولا ينتهي عند مؤسسات الدولة. هو امتحان حقيقي لمدى إنسانيتنا، وقدرتنا على تحويل الاختلاف إلى مصدر قوة، بدل أن يكون سببًا للإقصاء.
ختامًا، تبقى الرسالة الأسمى واضحة وثابتة:
أن بناء مجتمع آمن ومتوازن لا يتحقق إلا باحتواء أضعف فئاته، ومنحها الفرصة الكاملة لتكون جزءًا فاعلًا في رسم ملامح المستقبل.








