في قلب المجتمع، يعيش العديد من الشباب من ذوي الإعاقة، ومن بينهم شباب التريزوميا، وهم يحملون طاقات إنسانية وقدرات مميزة تنتظر فقط من يكتشفها ويمنحها الفرصة للتعبير عنها. فهؤلاء الشباب، رغم التحديات التي قد تواجههم، يثبتون يومًا بعد يوم أن الإعاقة لا تلغي القدرة، وأن الإرادة يمكنها أن تفتح أبوابًا واسعة نحو الإبداع والإنتاج.
وتبرز مسألة التكوين المهني كأحد أهم المسارات التي تسمح لشباب التريزوميا بتطوير مهاراتهم وصقل قدراتهم، حيث توفر لهم بعض المراكز والجمعيات المتخصصة برامج تعليمية وتدريبية تتناسب مع خصوصياتهم، في مجالات مختلفة مثل الحرف اليدوية، والأعمال البسيطة في المطابخ، والخدمات، والصناعات التقليدية. هذه التكوينات لا تمنحهم فقط مهارات عملية، بل تعزز لديهم أيضًا الثقة بالنفس والشعور بالاستقلالية والانتماء إلى المجتمع.
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه الفئة لا يكمن في التكوين بحد ذاته، بل في الانتقال من مرحلة التعلم إلى مرحلة العمل. فكثير من الشباب من ذوي الإعاقة يمتلكون مهارات حقيقية، لكنهم يصطدمون بندرة الفرص المهنية وقلة المبادرات التي تفتح لهم أبواب الإدماج في سوق الشغل. وهنا تبرز الحاجة إلى تعزيز ثقافة الإدماج داخل المؤسسات الاقتصادية، وتشجيع المبادرات التي تراهن على قدرات هؤلاء الشباب بدل التركيز على إعاقتهم.
كما أن نجاح إدماج شباب التريزوميا في الحياة المهنية يتطلب تضافر جهود عدة أطراف، من بينها الهيئات الحكومية، والمؤسسات الاقتصادية، والجمعيات المدنية، إلى جانب الأسرة التي تلعب دورًا محوريًا في دعم أبنائها وتشجيعهم على اكتشاف إمكاناتهم.
لقد أثبتت العديد من التجارب داخل الجزائر وخارجها أن شباب التريزوميا قادرون على النجاح في بيئات العمل المناسبة، حيث أظهروا التزامًا كبيرًا، وروحًا إيجابية، وحرصًا على أداء المهام الموكلة إليهم بإتقان. وهي صفات تجعل منهم طاقات بشرية حقيقية يمكن أن تسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية إذا ما أُتيحت لها الظروف الملائمة.
إن الحديث عن شباب التريزوميا ليس حديثًا عن فئة تحتاج فقط إلى الرعاية، بل عن مواطنين يمتلكون حقًا مشروعًا في التكوين والعمل والاندماج الكامل في المجتمع. فالمهارات موجودة، والطموح حاضر، وما ينقص هو فتح الأبواب أمام هذه الطاقات لتتحول من أحلام مؤجلة إلى قصص نجاح ملهمة.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق التعاطف إلى منطق التمكين، لأن المجتمع الذي يمنح الفرصة لجميع أبنائه دون استثناء هو المجتمع الأكثر إنسانية وتقدمًا. وربما يحمل المستقبل القريب نماذج مشرقة لشباب من ذوي الإعاقة يثبتون أن الإرادة حين تُمنح الفرصة قادرة على صنع المعجزات.










