إن قضية زواج المرأة ذات الاعاقة من القضايا المهمشة في مجتمعاتنا العربية، فلها الحق في الحياة الكريمة التي كفلتها معظم التشريعات والقوانين المعمول بها في البلدان المختلفة، والحق في تكوين أسرة وإنجاب الأطفال هي من جملة هذه الحقوق، وهي من القضايا المهمة التي فرضت نفسها في أجندة عمل المهتمين بهذه الفئة من أفراد المجتمع في الآونة الأخيرة مع تطور الوعي بأهمية تحسين نوعية الحياة لهذه الفئة من أفراد المجتمع.
وقد أثبت الواقع أيضا وجود تجارب ناجحة فيما يتعلق بزواج وانجاب النساء ذوات الاعاقة، وقد أعطت الدساتير والتشريعات والاتفاقيات الدولية لذوي الاعاقة كل الحقوق وفق مبدأ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص حسب القدرات فضلا عن تشجيعهم على الزواج، وهذا ما تم تكريسه في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الاعاقة المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13 ديسمبر 2006 والتي صادق عليها المرسوم الرئاسي رقم 09-188.
ومن مبادئ الاتفاقية كفالة واشراك الأشخاص بصورة كاملة وفعالة في المجتمع وحماية النساء ذوات الاعاقة من كل أشكال التمييز واتخاذ كل التدابير اللازمة لضمان تمتعهن تمتعا كاملا وعلى قدم المساواة بجميع حقوق الانسان والحريات الأساسية.
فالنساء ذوات الاعاقة لها الحق في الزواج والانجاب والحياة الأسرية بهدف بناء مستقبل أفضل لهن ضمن مجتمع دامج، وذلك بمعزل عن النظرة المجتمعية والعادات والتقاليد المتعلقة بالزواج والأسرة والعلاقات التي تحول دون ذلك، بحيث تمنع الوصمة والنظرة النمطية الأشخاص ذوي الإعاقة من تحقيق كامل إمكاناتهم. هذا وتختلف الفرص بالنسبة للذكور والإناث ذوي الإعاقة في الوصول إلى حقهم في تأسيس أسرة، إذ أن النساء ذوات الإعاقة تواجهن تمييزا على أساس الإعاقة والجنس والفقر.
ولا شك أن الشريعة قد تكفلت بشؤون هذه الفئة، وضمنت لها بتشريعاتها المختلفة حق الحياة الكريمة.
تختلف نظرة المجتمعات فما يخص زواج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، والأمر الملاحظ هنا ان معظم التشريعات والقوانين المتعلقة بحقوق هذه الفئة في الدول الغربية قد نصت صراحة على حق الأشخاص ذوي الاعاقة بالزواج وتكوين أسرة على سبيل المثال القانون الأمريكي.
وكثيرا ما يرفض الأشخاص غير المعاقين الزواج من فتاة ذات اعاقة، رغم انه يمكن ان تكون أفضل بكثير من عدد من الأشخاص العاديين أخلاقيا ونفسيا وحتى قد تكون ذات حسن وجمال ورغم عدم وجود ما يمنع زواجها من حيث القدرة الجنسية أو القدرة على الانجاب او القيام بمسؤولياتها الاسرية من رعاية المنزل وتربية الأطفال لكن القدر اختارها ان تكون جليسة كرسي متحرك.
ويمكن اختصار أهم العوائق التي تواجهها المرأة ذات الاعاقة في النقاط الآتية:
– نظرة المجتمع للمرأة ذات الاعاقة وتصنيفها في خانة غير المنتجات، وأنها غير صالحة للمجتمع، والخوف من فشل زواجها.
– عدم القدرة على تكيف الزوج مع حياة تكون الشريكة فيها معاقة.
– ذوو الاعاقة وأسرهم لا يناقشون هذا الموضوع بصراحة وشفافية، فالأسرة تتحاشى المناقشة بسبب ثقافة العيب وخجلها بأن يكون لديها ابناء معاقين.
– عدم تقبل الزوج الانجاب من زوجته ذات الاعاقة خوفا من انجاب اطفال معاقين.
– غالبا ما يتم استبعاد النساء ذات الاعاقة من برامج التثقيف الجنسي او عدم تيسير وصولهن اليها بسبب افتراض عدم الحاجة إلى هذه المعلومات.
– تتعرض النساء ذوات الاعاقة بصورة غير متكافئة وغير عادلة إلى ممارسات اكراهية من قبيل التعقيم القسري ومنع الحمل ومحاولة الاجهاض، وتعتمد هذه الممارسات القسرية في كثير من الأحيان على افتراضات زائفة وتمييزية حول النشاط الجنسي للمرأة ذات الاعاقة وقدرتها على الامومة او تكون قائمة على الرغبة في التحكم في فترة حيضها ونموها.
– في كثير من الأحيان، لا تتوفر المعلومات حول الصحة الجنسية والانجابية مهيئة ماديا ومصممة بشكل يلائم النساء ذوات الاعاقة وحتى عندما تكون الخدمات الصحية متاحة من الناحية المادية، قد تواجه النساء والفتيات ذوات الاعاقة عقبات مالية واجتماعية ونفسية تحول دون الحصول على الرعاية الصحية الانجابية الكافية.
ولا شك في أن الاختلال في تطبيق مبدأ العدالة والإنصاف في التعامل مع قضايا المعاقين عموما ومسألة الزواج خصوصا يسبب قصورا في الجانب الاجتماعي والإنساني لهذه الفئة، ويعول على الباحثين والناشطين وجمعيات النفع العام في كسر حاجز الجمود وتغيير النظرة لزواج المعاقين.
فمن الآثار التربوية والاجتماعية والنفسية الناجمة عن زواج ذوي الإعاقة، منها الأمان الاجتماعي، الدمج المجتمعي، الإشباع العاطفي والجنسي، وكذلك الإحساس بالمسؤولية، فضلا عن تحقيق الاتزان النفسي.
وقد اهتم المشرع الجزائري بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة باعتبارها فئة مهمة في المجتمع الجزائري بأن قرر لها حقوقا كباقي فئات المجتمع، هذه الحقوق تم تكريسها في الدستور الجزائري من منطلق مبدأ التكفل التام بهذه الفئة الحساسة، وكذا تم تكرسيها بموجب القانون رقم 02-09 لسنة2002 المتعلق بحقوق الأشخاص المعوقین وترقيتهم والذي يعتبر خطوة أخرى إلى الأمام لضمان حقوق هذه الفئة الهامة من المجتمع وحمايتهم من جميع أشكال التهميش واللامبالاة. جاء هذا القانون تجسيدا لنص الاعلان العالمي التي اقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 19/12/1975 حول حماية المعاقين.
ونخلص في نهاية المقال إلى اقتراح بعض التوصيات في هذا الاطار:
– العمل على رفع الوعي المجتمعي في قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة والتي من بينها قضية الزواج خاصة النساء ذات الاعاقة، بهدف الحد من التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع المسائل ذات الصلة بالزواج والأسرة، ولضمان كفالة حق جميع الأشخاص ذوي الإعاقة الذين هم في سن الزواج لتأسيس أسرة برضا تام لا إكراه فيه ولمن لا يمنعهم مانع من ذلك.
– توجيه ذوي البر والاحسان إلى استثمار أموالهم لإنشاء جمعيات تهتم بشؤون ذوي الاعاقة ومن أهمها قضية تزويجهم وكذا ارشاد الدعاة والأخصائيين النفسيين إلى ضرورة تنظيم حملات توعوية للمجتمع بحقوق ذوي الاعاقة وخاصة المرأة في الزواج وتكوين أسرة، وتقديم التوجيهات اللازمة لهم فيما يخص العلاقة الزوجية قبل وأثناء وبعد الزواج لتحقيق التوافق الأسري.
– توجيه كافة المنابر المؤثرة مجتمعيا لتشجيع الفكرة.
– احداث صناديق وقفية تختص بكفالة أسر المعاقين.
– تعديل القانون رقم 02-09 المتعلق بحماية الاشخاص المعوقين وترقيتهم ذلك باستحداث نص قانوني صريح متعلق بضمان وكفالة حق ذوي الاعاقة في الزواج وتكوين أسرة.
– التدابير اللازمة لإزالة الحواجز والعوائق التي تعترض زواج المرأة ذات الاعاقة.
– ينبغي للدول أن تشجع المشاركة الكاملة في الحياة الأسرية من جانب المعوقين، وتشجع ممارستهم لحقهم في اكتمال الشخصية، وتكفل ألا تميز القوانين ضدهم فيما يتعلق بالزواج وتكوين الأسرة.
– إعداد ورش العمل والملتقيات البحثية لمناقشة قضايا المرأة ذات الإعاقة.
– يجب تدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية على العمل مع النساء والفتيات ذوات الاعاقة، وتوفير خدمات قائمة على حفظ كرامتهن واحترام استقلاليتهن.










