لجزائر /د.سامية هميسي
شكّلت مرحلة الحجر الصحي مرحلة صعبة ومعقدة بالنسبة للمصابين بالتوحد، سواء كانوا أطفالا أو راشدين، وحتى بالنسبة لمحيطهم الأسري الذي يتحمل عبء تغيرات مفاجئة وذات تأثير كبير على المعيشة اليومية للأسرة بأكملها. غير أن استئناف الحياة العادية بعد رفع الحجر الصحي، الذي هو على الأبواب، لن يكون بالأمر الهين على أسر المصابين بالتوحد والمحيطين بهم، والذين بدأوا يستشعرون منذ الآن ثقل هذا الانتقال، الذي يحمل للأسر بين طياته الكثير من الهواجس والتخوفات.
وقد أكد خبراء ومختصين أن المصابين بالتوحد يتعودون على روتين معيشي قار يصعب عليهم تغييره، إلا أن جائحة كورونا والتدابير المصاحبة لها، وكل ما جاءت به من تغييرات في السلوك اليومي لأفراد المجتمع، كسرت هذا الروتين.
وتتوقع الأسر أن الوضعية ستزداد تعقيدا مع رفع حالة الطوارئ الصحية، وهو ما يشكل تحديا كبيرا ومصيريا بالنسبة إليها ولأبنائها المصابين بالتوحد.
وعن التحديات والإكراهات التي تواجه هذه الأسر في الوقت الحالي ،أكدت إحدى الأمهات :” وجدت نفسي في مواجهة وضعية كان علي فيها أن أتحمل بمفردي مسؤولية تطبيق كل برامج إعادة التأهيل الخاصة بإبني ، وما بين ليلة وضحاها تحولت إلى مربية متخصصة في العلاج النفسي الحركي وتقويم النطق، ومدربة للرياضة، ومعلمة”.
ورغم المعلومات التي تمتلكها في الموضوع لاشتغالها لسنوات عديدة في هذا المجال، فهذه الأم، التي أكسبتها خبرتها في التعامل مع هذا النوع من الإعاقة إرادة من حديد، أقرت أنها تعيش تجربة عسيرة بفعل التداعيات النفسية للحجر الصحي، إلا أن أكثر ما تخشاه هو الفترة القادمة بعد رفع الحجر، قائلة “ينتابني شعور بالرعب الشديد لمجرد التفكير أن ابني قد يصاب بالعدوى بالفايروس عند خروجها من المنزل”.
وأوضحت الأم أن “حالة ابنها، البالغة من العمر 11سنة، تصنف من بين أصعب حالات التوحد، فهو لا يعاني فقط من التوحد، بل إنه يواجه العديد من الاضطرابات الصحية التي تصعّب عليه الحياة وعملية التعلم”.
وأضافت أن “كل برنامج وهدف ونشاط يضعنا أمام تحدي الأخذ في الاعتبار مشاكلهه الصحية وخصوصياته الشعورية وصعوبة التواصل لديه وحالة التوحد التي يغاني منها، مما يفرض علينا، بالتأكيد، تعزيز قدرتنا على التخيل والإبداع، ويفاقم حالة الضغط التي نعاني منها، ويضاعف مسؤولياتنا اليومية اتجاهه”.
المرحلة التالية من الوباء تأتي مع مخاوفها وقلقها، قد تكون هذه المخاوف أكثر حدة لأطفال التوحد
ومن جهتها، أكدت أخصائية في الطب النفسي للأطفال والمراهقين م.س ، التي واصلت تقديم الاستشارات وممارسة عملها عن بعد منذ بداية الحجر الصحي، في تصريح خاص بالموضوع أن التخوف الرئيسي للآباء يتمثل في التغير الجذري في الروتين اليومي، وكذلك الخوف من حدوث تراجع في المعارف المكتسبة للمصابين بالتوحد..وأكدت أن غالبية الأشخاص الذين يعانون من التوحد يصعب عليهم التأقلم مع التغيرات، مشيرة إلى أنه “في هذه الفترة، الآباء مطالبون بأن يشرحوا لأطفالهم طبيعة التدابير الاحترازية، خاصة منها تنظيف الأيادي والعطس في الكوع واستعمال المناديل ذات الاستعمال الوحيد واحترام مسافة الأمان، وكذلك السهر على حمايتهم من الإصابة بالفايروس”.
وشددت على أنه يتعين على المحيطين بالشخص المصاب بالتوحد أن يكونوا صارمين في تطبيق تلك التدابير والالتزام بها، ومراقبة الطفل المصاب عن كثب، معتبرة أن هذا الأمر يتطلب قليلا من الصبر، وحرصا كبيرا على التطبيق.
أن تغيرات الحياة اليومية، والعودة مرة أخرى إلى العمل، تستدعي التفكير في الأطفال المصابين بالتوحد، وكيف سيواجهون كل هذه التغيرات، ”مثلنا جميعا، فإن الأطفال والمراهقين يأملون ويسعدون أن الوضع يبدو أنه يتحسن، ومع ذلك، فإن المرحلة التالية من الوباء تأتي مع مخاوفها وقلقها، قد تكون هذه المخاوف أكثر حدة لأطفال التوحد
فمع وجود عدة مصادر للقلق يجب أن يكون الآباء على علم بها للتعامل مع أبنائهم في هذه الحالة، فأإنه مع رفع القيود المتبعة بسبب فايروس كورونا، علينا أن نطمئن أطفالنا أن بعض الإجراءات أصبحت الآن أكثر أمانًا على الرغم من بقاء الفايروس في مجتمعنا، وقد يبدو هذا المنطق غير مقنع للطفل، بالنسبة لهؤلاء الأطفال الفايروس موجود أو اختفى تمامًا، لذلك سيولد بعض القلق في إقناعهم عن كيفية التعامل مع الآخرين.
لذلك يمكن اتباع بعض السلوكيات في هذا الموقف، والتأكد من أن الطفل لديه فهم واقعي لكيفية انتشار الفايروسات حتى يتمكن من فهم أن الخطر سينخفض مع انخفاض عدد المصابين.
فلا يمكن إهمال التشديد على ضرورة استخدام المصطلحات والتفسيرات التي يمكن للطفل استيعابها والتحقق من أنه يفهمها بدقة، وأن يكون الآباء والأمهات قدوة لأطفالهم
د.سامية هميسي مستشار لدى الفدرالية الوطنية للتوحد /الجزائر










